الصمت المفخخ: أين يختفي التنوير حين يُعتدى على السعودية؟!
لا يمكن أن يكون الصمت موقفاً محايداً دائماً، كما أنه ليس فضيلة في كل الأحوال بالضرورة. ثمة مواقف تضع المرء أمام سؤال أخلاقي يتجاوز حسابات السياسة وتباين المواقف الفكرية؛ لحظات يصبح فيها السؤال عن الموقف نفسه ضرورة.
وفي ظل استمرار الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: أين تغيبُ الأصوات التنويرية وأصحاب الأفكار الطليعية؟ وأولئك الذين اعتادوا تقديم أنفسهم بوصفهم حراساً للكلمة؟ والمدافعين عن تحضر البشرية، وَدعاة التنمية، والمناصرين لحق الإنسان في الأمن والاستقرار؟ أين تتلاشى هذه الأصوات حين تتعرض المملكة لاعتداء واضح، وحين يصبح أمنها وسلامة سكانها موضع تهديد؟
لا تحتاج السعودية إلى من يدافع عنها ولو بكلمة، ولا إلى أن يستعير السعوديون أصوات الآخرين كي يجابهوا الاعتداءات التي تستهدف بلادهم. لأنهم، قيادة وشعباً، فرداً فرداً، بمؤسساتهم وجهودهم وتضحياتهم، أقدرُ على التصدي للهجمات والدفاع عن وطنهم.
لا يتعلق السؤال هنا بالاصطفاف وحشد الجماهير، وإنما بالفجوة التي تتشكّل بين المبادئ التي يعلنها أصحاب هذه الأصوات، وبين حضورهم الفعلي حين تختبر الأحداث صدقية تلك المبادئ. فكيف يستقيم المبدأ الثابت برفض العدوان حين يبرز في قضية ما، في حين يصبح موقفاً ملتبساً أو صمتاً مطبقاً حين يتعلق الأمر بالسعودية مثلاً؟
لا تكمن المشكلة في الصمت بحد ذاته، وإنما في انتقائية المبدأ، أن تتحدد مساحة التضامن الأخلاقي وفق هوية المُعتدى عليه، أو موقعه في الخريطة، أو مدى انسجام الحدث مع تصورات مسبقة عن المنطقة والعالم. فإذا كان الاعتداء على المدنيين، وتهديد أمن المجتمعات، واستهداف استقرار الدول أمراً بستدعي الإدانة، وهذا أضعف الإيمان، فإن هذه المبادئ لا ينبغي أن تتغير بتغيّر الأسماء واختلاف المواقع.
ولعل ما يجعل هذا الصمت أكثر إثارة للاستغراب هو أن بعض من يلتزمونه هم ذاتهم الذين يرفعون شعارات التنوير، ويحتفون بالأسئلة الصعبة، ويطالبون الآخرين بمغادرة المناطق المريحة، إلى اتخاذ مواقف أخلاقية حادّة وواضحة. فهل تظل الكلمة صادقة فعلاً إن كانت لا تظهر إلا في قضايا غابات الأمازون وفيضانات النصف الشمالي من كوكب الأرض، ولا تضع صاحبها في مواجهة دوائره الفكرية؟َ
إن السؤال هنا مرهونٌ بالكلمة ذاتها: بما يُفترض أن يكون موقفاً من العالم، وليس مجرد أداة لتسجيل الحضور فيه؛ وبالمثقف الذي لا تُقاس قيمته بما يقوله من أفكار فقط، وإنما بما يتخذه من مواقف شجاعة، إلى جانب قدرته على الاحتفاظ باتزانه الأخلاقي حين تصطدم الفكرة بالمحكّ الحقيقي وتتعارض مع الفعل. فلا يجب للمواقف أن تُتخذ محاباة ولا مجاملة، ولا تعبيراً عن امتنان، وإنما انحيازاً واضحاً للمبدأ، ورفضاً للهمجية.
ومن المهم أيضاً في هذا السياق، ألا تُفهم هذه الأسئلة بوصفها محكمة للتفتيش في الضمائر، أو محاولة لإطلاق مكارثية جديدة تفتّش في المواقف وتوزّع صكوك الغفران، فليس من حق أحد أن ينتزع من الآخرين موقفاً أو رأياً، لكن احترام الحق في الصمت أو الصدع بالحق لا يعني تعطيل السؤال، كما أن رفض التخوين لا يستوجب الامتناع عن مساءلة الفضاء العام، ومقارنته بما يعلنه أصحابه من مبادئ.
عندما نتحدث عن أشخاص اختاروا الجمهور لعرض أفكارهم، وتقديمها باعتبارها إسهاماً في تشكيل الوعي والذائقة، فإن السؤال عن مواقفها يصبح مشروعاً بقدر ما تكون تلك المواقف جزءاً من المجال العام. ليس مطلوباً منها أن تتبنى خطاباً ولا أجندة، لكن من المنصف ألا تحمل هذه الأفكار ازدواجاً في المعايير، أو تستحيل امتيازاً يُستخدم في اتجاه واحد، وألا يصبح النقد شجاعة حين يكون موجّهاً إلى طرف، وحكمةً أو تحفظاً حين يكون موجّهاً إلى آخر.
يمكن، في أوقات السلم، أن يُقرأ الصمتُ بطرائق كثيرة، وأن يُترك لأصحابه. أما حين تُقرع طبول الوغى، فإن غياب الأصوات التي طالما تشدّقت باسم الإنسان وحقه في الأمن والتنمية، سيفتح باباً مشروعاً للتساؤل: هل الكلمات الصادقة مشروطة بصاحب القضية؟ وهل الأفكار الطليعية قادرة على رؤية الوقائع خارج قوالبنا المسبقة، أم أنها تتوقف عند حدود ما نألفه وما نخاف منه؟
إن أخطر ما قد يصيب خطاب المثقف ليس اختلاف أصحابه، فالاختلافُ شرط حيويته، وإنما الخوف أن يفقد اتساقه مع الفعل حين يحين وقته. وفي لحظات كهذه، لا يحتاج العالم إلى مزيد من الشعارات عن إعلاء شأن الكلمة، بقدر ما يحتاج أن يرى هذه الكلمات تمارس وظيفتها، وأن تسمي الأشياء بأسمائها، أن يصبح الإرهاب إرهاباً، والجريمة جريمةً، وأن يُرفض العنف أينما وقع، وأن تمنح المبادئ معناها الإنساني من دون انتقائية. أما الصمت، فليس جريمة في ذاته؛ لكنه، حين يصدر عمن جعلوا الكلام حرفة ورسالة، يصبح سؤالاً مشروعاً، ولكن لا حاجة لنا في إجابة.
:
لقراءة المقال في موقع العربية