مقالات 20/10/2026

المشروع الثقافي السعودي: الثبات في زمن الاضطراب

ثمة دول لا تفكر في الغد إلا بعد الاطمئنان إلى استقرار حاضرها، بينما تمضي الدول الواثقة إلى بناء المستقبل حتى وإن كان الحاضر مفتوحاً على احتمالات القلق. تقود السعودية اليوم رؤيتها الطموحة لإعادة تشكيل الاقتصاد وتحديث البنية التحتية، وتوسّع حضور الثقافة والفنون في الحياة العامة، بالرغم من أجواء الحرب المحيطة بالمنطقة، وتقلّبات الاقتصاد وأسئلة الاستقرار والأمن.

في سياق مثل هذا، قد تتخذ الدول مساراً لإبطاء التنمية، والتركيز على الاقتصاد والأمن، بينما تكشف المملكة بمواصلة مشروعها الثقافي عن تصوّر أوسع للمستقبل، لا يُختزل في تأمين الحدود وحماية المصالح الاقتصادية فقط، وإنما يمتد ليشمل بناء مجتمع يمتلك أدوات التعبير والتخيّل والمعرفة، ويجد في الفن والكتاب والتراث مساحات لفهم نفسه والعالم من حوله. لا يمكن النظر إلى الثقافة باعتبارها ترفاً تمارسه المجتمعات في السِّلم، إذ أنها في الواقع وسيلةٌ تستعد بها لمستقبل يتجاوز العقبات والأوضاع الاستثنائية.

وعلى مدار العقد الفائت، تمدّدت الثقافة في السعودية من حضورها المحدود نسبياً، وتوسعت في نطاقات الأدب، الموسيقى، المسرح، السينما، الفنون البصرية، المتاحف والتراث. نظرة خاطفة على بيانات وزارة الثقافة، وتقرير الحالة الثقافية في المملكة توضّح بالأرقام هذه الطفرة النوعية الهائلة.

أهمية الأرقام لا تكمن في حجمها فقط، ما يستحق التأمل هو الأثر الذي تتركه على مستوى الحياة اليومية: يصبح الفن أقرب إلى الناس، ويجد العاملون في الثقافة بنىً مؤسسية وفرصاً للإنتاج والإبداع. وتتحول المواقع التاريخية من شواهد على الماضي إلى فضاءات للمعارف والتجارب الحيّة. قياس الأثر في الفعل الثقافي مشروط بالجمهور، وتدشين مَعْلَم أو إقامة مهرجان هي نقطة البدء في طريق طويل يكتمل بالمثابرة والطموح، والأسئلة الجديدة عن ضرورة الفن والأدب، وتعطّش الناس إلى مزيد من الإبداع.

وهنا تبرز أهمية التجربة السعودية. فالبلاد – في ظل الظروف الراهنة – وهي تضع أمن الوطن وَمَن على أرضه في مقدمة أولوياتها، لا تكتفي بمعادلة الأمن والاقتصاد فحسب، وإنما توسّع تعريفها لما يمكن أن ينتجه المجتمع ويقدّمه للعالم. والثقافة في هذا الإطار ميدان للتحول والتنمية، ومجالٌ لإنتاج المعرفة والقيمة، وخلق الفرص الواعدة، وإعادة تقديم الهويّة المحلية بلغة حديثة تخاطب الحاضر.

من السهل، في ظل هذه الظروف، النظر إلى الثقافة باعتبارها وعداً يمكن تأجيل طموحاته، أو أنها أقل إلحاحاً من القطاعات المرتبطة بالأمن والاقتصاد. لكن هذا تصور قاصر، يُغفل أن التنمية ليست مساراً مستقيماً يبدأ بعد زوال المخاطر؛ إنها عملية مستمرة، تتطلب إعادة ترتيب للأولويات ومراجعة الخطط، من دون أن يفقد المجتمع أُفُقَه الأبعد.

ما الذي يبقى من التنمية إذا انحصر تصوّر المستقبل في إدارة الأزمة؟ وما الذي تخسره المجتمعات حين يصبح القلق من الغد سبباً لتأجيل كل ما يمنح الحياة معناها خارج ضرورات البقاء؟ هذان السؤالان لا يتجاهلان الأحداث والوقائع الجارية، وإنما يضعان الأمن في سياق أوسع: حماية القدرة على مواصلة الحياة، لا الاكتفاء بمنع انقطاعها، وهذا يساعدنا بالضرورة على فهم جوهر المشروع الثقافي في المملكة، الذي يُقاس بما يتركه في وعي الأجيال، وفي علاقتها بالحياة والجمال.

ولعل أهمية استمرار العمل في هذا المسار تتضاعف في منطقة اعتادت أن يستحوذ الصراع على صورتها في العالم. عندما تواصل السعودية مشروعها الثقافي فهي تضيف إلى صورتها وجهاً آخر عن مجتمع يسعى إلى تكوين حضور مبهر في المعرفة، والفن، وإنتاج الفكر والمعنى.

لا تستطيع الثقافة إيقاف الحرب، وربما ليس ضمن أدوارها أن تعالج أحوال الاقتصاد، لكنها تستطيع أن تحمي الإيمان بالحياة، وبمستقبل قابل للبناء، وأنّ يومَ الناس أوسعُ من صوت الإنذارات، وَأنّ وعي المجتمع لا يقاس بقدرته على التعامل مع التهديدات التي تواجهه، وإنما بما يواصله من إنجاز رغماً عنها.

إن الاختبار الحقيقي للمشروع الثقافي السعودي ليس أن يمضي في غياب الأزمات، هذه رفاهية لا تملكها المنطقة. النجاح الحقيقي – وهو ما نراه بأعيننا كل يوم – أن يحافظ هذا المشروع على طموحه وفاعليته، وأن يوازن بين متطلبات اللحظة وحقوق المستقبل. فالرهان اليوم مرتكز على حاجة الأجيال القادمة إلى المعرفة والفنون والابتكار. وفي عالم يظل فيه احتمال التوتر حاضراً، تصبح التنمية الثقافية تعبيراً عن إرادة حازمة، بألا يُترك المستقبل رهن الاضطراب، وألا تتحول الأزمات إلى إيقاع حياة. ذلك هو المعنى الأعمق الذي تبثه المملكة في مشروعها الثقافي، أن تواجه الواقع بكل ما فيه من تحديات، وتتشبّث بحقها في صنع مستقبل مشرق لأبنائها.

(Visited 4 times, 4 visits today)

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *